نخبة من الأكاديميين

135

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وقد ردّ الخليفة الموحدي ردا إيجابيا حيث رحّب بالبعثة وأمر بتسهيل مهمتها في جميع أنحاء البلاد ، وتمكنت من شراء 186 أسيرا في تونس سنة 1201 م ، وفي سنة 1210 بلغ عدد المحررين في تونس 220 ، بينما بلغ عدد هؤلاء في الجزائر وحدها 340 « 1 » . إن هذه الإحصائيات وغيرها تنهض شاهدا على روح التسامح التي تعامل بها المغاربة مع المسيحيين ، وقد أعطى هذا التسامح ثماره حتى أن قائد الحاميات المسيحية في مراكش في عهد الخليفة الموحدي المنتصر عرف بأنه « أكبر صديق للمسلمين » . وإذا كان قد حاربهم بعد مغادرته المغرب ، فقد سخّر نفسه للتوفيق بين الجانبين « 2 » ، بينما نعت الأسقف Lupus بكونه مهندس الصداقة القشتالية الموحدية « 3 » . ولعلّ روح التسامح هذه هي التي جعلت البابا أنوسانت الرابع لا يكتفي فقط بتوجيه رسائل الشكر والتقدير إلى الخلفاء الموحدين ، بل إنه حث المسيحيين على التوجه نحو المغرب ، وطلب من الأساقفة الإسبان والبرتغاليين حماية ممتلكاتهم في المناطق التي كانوا يمرون فيها « 4 » . وينهض ارتفاع عدد المسيحيين المقيمين في المغرب دليلا آخر على جو التسامح الذي كانوا يرتعون في ظله . والأرقام التي قدمها بروسّلار Brosselard لها أكثر من دلالة « 5 » . ومن الإنصاف القول إن هذا التسامح كان متبادلا ، فالمجاعة التي عصفت بأفريقية سنة 542 ه - / 1147 - 1148 م جعلت كثيرا من عائلات النبلاء تطلب مساعدة روجار الثاني ، واللجوء إليه ، فما كان من هذا الأخير إلا أن رحّب بعرضهم . أما الزواج بين المغاربة بالنصرانيات ، واعتناق الإسلام فهو أكبر دليل على ثمار هذا التعايش السلمي وهو ما سنتطرق إليه لاحقا ، فهل يمكن بعد كل هذا أن نجد ما يناقض مقولة التعايش السلمي ومناخ التسامح بين الجانبين ؟ 3 فكرة الاضطهاد الموحدي للمسيحيين بين الحقيقة والوهم : إذا كانت الصورة المشرقة التي قدمناها عن وضعية الطوائف المسيحية المقيمة في الغرب الإسلامي خلال العصر الموحدي تعكس إحدى الواجهات الرائعة من صور تعايشهم السلمي مع المسلمين ، فهل ذلك يعني أننا ننزه الموحدين عن كل زلة أو تعصب تجاههم ؟ إنصافا للحقيقة والتاريخ ، نشير بداية إلى أن بعض الكتابات الأجنبية استغلت بعضا من هذه " الزلّات " لتنفخ فيها وتجعلها قناة ومعبرا لمقولة الاضطهاد الموحدي . فمن هذه الكتابات من صبت جام غضبها على المرابطين والموحدين في آن ، زاعمة أن المسيحيين فقدوا في عهدهم كل نفوذ « 6 » . ومنها من أشفقت على المرابطين ولكنها لم ترحم الموحدين ، معتبرة عصرهم قمة الاضطهاد الديني « 7 » . إلا أن المتأمل في الحكمين السابقين ، يلاحظ أنهما مبنيان على نصوص منتقاة سبق تبيان خطئها « 8 » ، وقد كفانا غودار Godard مؤونة الرد على خرافة الاضطهاد الموحدي حين أوضح في جرأة علمية تخالف ما دأب عليه بعض الباحثين الأوروبيين - وانطلاقا من حجج دامغة ما يؤكد

--> ( 1 ) Ibid , p 18 19 . ( 2 ) DUFOURCQ , Les relations . . . . ; op , cit ; pp : 41 42 . ( 3 ) Ibid ; p 59 . ( 4 ) DUFOURCQ , op , cit , p 59 . ( 5 ) - أعطى MENSAGE نقلا عن BROSSELARD إحصاءات تهم الطوائف المسيحية رغم أنها تخصّ القرن 14 م ، فإن لها دلالات على تدفق هده الجاليات على المغرب العربي وهي كما يلي : تلمسان 4000 نسمة منهم تجار وصناع وجنود . تونس 4000 نسمة كانوا يشتغلون في صناعة الخبز + 700 دكان . أنظر MENSAGE : op , cit ; p 6 . . ( 6 ) - DUFOURCQ : La vie quotidiennedans lEurope medievale sous la domination arabe ed . . Hachette 1978 , p 75 . ( 7 ) - خوسي اليماني ، م ، س . ص 36 . ( 8 ) - هذا هو نص المراكشي الذي يتم انتقاؤه : : ( ( ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ أن أقام أمر المصامدة ، ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة ) ) . المعجب ، م . س ، ص 435 .